التخطي إلى المحتوى

بعد شهر ونصف من اتفاق الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، على الانتهاء خلال أربعة أشهر من صياغة اتفاق بشأن ملء وتشغيل سد النهضة الذي تبنيه أديس أبابا، بدأت جولة مفاوضات جديدة، الأحد، بين البلدين، وسط تساؤلات عن جديتها وما إذا كانت ستفضي إلى نتائج إيجابية للطرفين، مع قرب انتهاء المرحلة الرابعة من عملية ملء السد. 

ومنذ 2011، تتفاوض مصر والسودان وإثيوبيا للوصول إلى اتّفاق بشأن ملء سدّ النهضة وتشغيله، إلا أنّ جولات طويلة من التفاوض بين الدول الثلاث لم تثمر حتى الآن اتفاقاً.

ويرى الخبير الإثيوبي في الشؤون الأفريقية، عبد الشكور حسن، في حديثه مع موقع “الحرة”، أنه خلال العشر سنوات الماضية “تم التواصل إلى نتائج إيجابية جدا بشأن تعبئة وتشغيل سد النهضة وما تبقى قضايا فنية بسيطة لا تزيد عن عشرة في المئة”. 

لكن حسن يعتبر في نفس الوقت، أن ما يحدث من مفاوضات “أمر روتيني”، مضيفا أنه “خلال يومين سننتهي من مرحلة الملء الرابع للسد”. 

أما اللواء السابق، المتخصص في الأمن الأفريقي، محمد عبد الواحد، فيشير، في حديثه مع موقع “الحرة”، إلى أنه “منذ بدء المفاوضات، لم يستطع الأطراف الوصول إلى حل أو إنهاء المفاوضات بنتائج إيجابية”، لكنه يرى في الوقت ذاته أن “كل الأطراف حريصة حاليا على توقيع اتفاق ملزم”. 

وتخشى مصر من تأثير السد الذي تبنيه أديس أبابا على النيل الأزرق، إذا تعتمد على نهر النيل لتأمين 97% من احتياجاتها المائية.

وأفاد بيان لوزارة الموارد المائية والري المصرية “انطلقت صباح الأحد في القاهرة جولة جديدة من مفاوضات سد النهضة بمشاركة وفود التفاوض من مصر والسودان وإثيوبيا”.

ونقل البيان عن وزير الموارد المائية والري المصري، هاني سويلم، قوله إن هذه المفاوضات تهدف الى التوصل لاتفاق “يراعي مصالح وشواغل الدول الثلاث”، مشددا على “أهمية التوقف عن أي خطوات أحادية في هذا الشأن”.

وكان السيسي وأبي أحمد اتفقا في 13 يوليو الماضي على الانتهاء خلال أربعة أشهر من صياغة اتفاق بشأن ملء وتشغيل السد.

“تطمينات”

وقال حسن لموقع “الحرة”: “ما يتبقى هو اتخاذ قرار سياسي بشأن الجوانب الفنية، وهذا يحدث حاليا بلقاء الخبراء والفنيين من الدول الثلاثة المعنيين بالأمر”، مشيرا إلى أن هذه المحادثات تأتي برعاية دولة الإمارات العربية المتحدة. 

ويعتبر حسن أن أديس أبابا قدمت تطمينات لبدء جولة المفاوضات الحالية، “على سبيل المثال، كان من المفترض أن يتم هذا العام رفع مستوى بناء الممر الأوسط لسد النهضة الذي تمر عبره المياه أثناء الفيضانات إلى 625 مترا، لكننا رفعناه حتى 620 مترا بانخفاض خمس أمتار، وهو ما أعتبره حسن نية، ومن المقرر أن يصل الارتفاع خلال العام المقبل إلى 675 مترا تقريبا”. 

من جانبه أكد عبد الواحد أن مصر حريصة على التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم لإثيوبيا يتعلق بعملية الملء والتشغيل وإدارة السد فيما بعد”. 

“إدارة مشتركة”.. “مستحيل”

وقال عبد الواحد: “مصر أعلنت سابقا أنها لا تمانع ببناء سدود ولكن بشرط أن تكون هناك إدارة مشتركة حتى لا يحدث ضرر لدول المصب، وبالتالي فنحن حريصون على الوصول إلى اتفاق قانوني يلزم الأطراف، خاصة إثيوبيا، بمشاركة مصر فيما يتعلق خاصة بفترات الجفاف والجفاف الممتد”. 

لكن حسن رد بأنه من المستحيل أن تقبل إثيوبيا بإدارة مشتركة للسد “نحن نعتبر أننا انتهينا من هذا الأمر منذ أن رفضت مصر والسودان بناء وتمويل وإدارة السد من البداية، وهو ما جعل إثيوبيا تتجه للبناء والتنفيذ بإمكاناتها الذاتية”. 

في المقابل يؤكد عبد الواحد “يجب أن نضع قواعد حتى لا يحدث ضرر على المستوى البيئي أو الاجتماعي أو نقص المياه في السد العالي، عندما يكون هناك ضوابط لهذه الأمور، سيكون الجميع مستفيدا”. 

وأضاف: “لم يتم صياغة الاتفاق بعد، لكن لابد أن تضمن كل من مصر والسودان أن يكونا مساهمين في عملية التشغيل وفتح الخزانات وغلق البوابات، والتعامل مع فترات الجفاف الممتد، وهي أمور في غاية الحساسية”.  

وكان وزير الموارد المائية والري المصري، قد حذر الثلاثاء الماضي، من أن بلاده تقترب من خط الشح المائي بنصيب يقارب من 500 متر مكعب للفرد سنويا. 

وقال محي الدين عمر خبير شؤون المياه في المركز الدولي للبحوث الزراعية في الأراضي الجافة (إيكاردا) في حديثه مع موقع “الحرة”، إن “موارد مصر تقريبا هي فقط ما يصلها من مياه نهر النيل وهو 55.5 مليار متر مكعب سنويا والباقي سواء مياه الأمطار أو البحيرات نسبة لا تذكر، فمياه الأمطار تمثل حوالي مليار متر مكعب في العام فقط”.

ويعتبر حسن أن “ما حدث خلال السنوات الماضية، من عدم حدوث أي ضرر على مصر، تأكيدا لما أعلنته إثيوبيا مرارا وتكرارا من نيتها عدم الإضرار بأي من دول المصب”. 

لكن عمر يؤكد أنه ليس هناك دراية واضحة خاصة بتأثير سد النهضة الإثيوبي على مصر حتى الآن، لكنه يقول “بالتأكيد سيكون هناك تأثير سلبي”. 

وقال: “لن يظهر التأثير المباشر لسد النهضة في سنواته الأولى، لأن لدينا مخزونا استراتيجيا يمكننا الاعتماد عليه لتعويض الاحتياجات المائية للمزارعين، ولكن بلا شك، سد النهضة سيقلل من كميات المياه القادمة لبحيرة ناصر التي تعتبر مخزونا استراتيجيا لمصر، لكننا لا نعلم متى سيحدث هذا التأثير بالضبط”. 

من جانبه يقول وزير الموارد المائية سابقا، محمود أبو زيد لموقع “الحرة”، إن الموقف سيصبح أكثر خطورة “عندما يكون هناك ما يسمى بـ”الجفاف الممتد” أي يطول لعدة سنوات متتالية، حيث سيكون فيها الفيضان منخفضا”. 

وأوضح: “التأثير حينها سيتعلق بتصرفات الجانب الإثيوبي خلال سنوات الجفاف وإن كانوا سيتحكمون في مرور المياه وسيخفضون ما يصل إلينا ولأي فترة”. 

لكن المحلل الإثيوبي، جمال بشير، قال لموقع “الحرة”، إن “إثيوبيا لن تلعب بورقة المياه لأنها تعلم أنها أول من سيتضرر بذلك، فالتجارة التي تجمع البلدين كبيرة ولا أرى سببا سيدفع أديس أبابا لسلوك هذا الطريق، كما أننا سنكون أول من سيعاني من الجفاف”. 

وقال حسن، إن “هناك تفاهما ما بين الدول الثلاث في التنسيق وإدارة السد في فترات الجفاف والجفاف الممتد، قد يكون هناك تفاهما على تقاسم الأضرار في هذا الوقت بين الدول الثلاث، لكن أن يكون هناك إدارة مصرية للسد فهو ما ترفضه إثيوبيا وتعتبره موقفا سياديا خاصا بها”. 

ودشنت إثيوبيا رسميًا في فبراير 2022 إنتاج الكهرباء من السد الذي تُقدّمه على أنّه من بين الأكبر في إفريقيا. وتمّ تعديل هدف إنتاجه من 6500 إلى 5000 ميغاوات، أي ضعف إنتاج إثيوبيا الحالي، ويتوقع أن يبلغ كامل طاقته الإنتاجية عام 2024.

تفاؤل

وفي ظل تمسك الطرفين بموقفهما، يقول حسن: “أعتقد أنه سيتم التوصل إلى اتفاق إذا كانت هناك إرادة سياسية من الطرفين، ورغم أننا على اعتاب التوصل إلى أهدافنا من السد، ويمكننا التوقف في هذه المرحلة، لكننا في إثيوبيا لدينا استعداد لإنجاح المفاوضات، حتى ننتهي من هذا العبء، الذي يستنزف طاقات الدول الثلاث إعلاميا وما يتضمن من شحن الرأي العام المحلي والإقليمي”. 

وأضاف: “أعتقد أن مصر ستكون حريصة على هذا الأمر أيضا للتوصل إلى اتفاق، ونتمنى أن يقدم الوسطاء ما يساهم في إنجاح هذه الجولة”. 

من جهته يقول عبد الواحد: “استبشر خيرا في أن يحدث تقدما في عملية المفاوضات ونصل إلى حل وسط بين الأطراف، بحيث لا يكون هناك ضرر على دول المصب”. 

وأضاف: “أتخيل أن الجانب الإثيوبي سيبدي مرونة عالية في الفترة المقبلة، حتى يكون قادرا على تسويق الاستثمار في السد، لأنه لن تقبل أطراف بالاستثمار في سد عليه نزاعات، خاصة أن مصر دولة من الدول الكبرى في المنطقة”. 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *